محمد بن جرير الطبري

493

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الله أبى مسلم على ما كان اجمع ، فكف وجعل يلتفت يمينا وشمالا تخوفا من أبى مسلم ، فقال له المنصور : تكلم بما أردت ، فقد قتل الله الفاسق ، وامر باخراجه اليه مقطعا ، فلما رآه أبو إسحاق خر ساجدا ، فأطال السجود ، فقال له المنصور : ارفع رأسك وتكلم ، فرفع رأسه وهو يقول : الحمد لله الذي آمنني بك اليوم ، والله ما امنته يوما واحدا منذ صحبته ، وما جئته يوما قط الا وقد أوصيت وتكفنت وتحنطت ، ثم رفع ثيابه الظاهرة فإذا تحتها ثياب كتان جدد ، وقد تحنط فلما رأى أبو جعفر حاله رحمه ، ثم قال : استقبل طاعه خليفتك ، واحمد الله الذي اراحك من الفاسق ثم قال له أبو جعفر : فرق عنى هذه الجماعة ثم دعا بمالك بن الهيثم فحدثه بمثل ذلك ، فاعتذر اليه بأنه امره بطاعته ، وانما خدمه وخف له الناس بمرضاته ، وانه قد كان في طاعتهم قبل ان يعرف أبا مسلم ، فقبل منه وامره بمثل ما امر به أبا إسحاق من تفريق جند أبى مسلم وبعث أبو جعفر إلى عده من قواد أبى مسلم بجوائز سنيه ، واعطى جميع جنده حتى رضوا ، ورجع أصحابه وهم يقولون : بعنا مولانا بالدراهم ثم دعا أبو جعفر بعد ذلك أبا إسحاق ، فقال : اقسم بالله لئن قطعوا طنبا من اطنابى لأضربن عنقك ثم لأجاهدنهم فخرج إليهم أبو إسحاق فقال : يا كلاب انصرفوا . قال على : قال أبو حفص الأزدي : لما قتل أبو مسلم كتب أبو جعفر إلى أبى نصر كتابا عن لسان أبى مسلم يأمره بحمل ثقله وما خلف عنده ، وان يقدم ، وختم الكتاب بخاتم أبى مسلم ، فلما رأى أبو نصر نقش الخاتم تاما ، علم أن أبا مسلم لم يكتب الكتاب ، فقال : ا فعلتموها ! وانحدر إلى همذان وهو يريد خراسان ، فكتب أبو جعفر لأبي نصر عهده على شهرزور ، ووجه رسولا اليه بالعهد ، فأتاه حين مضى الرسول بالعهد انه قد توجه إلى خراسان ، فكتب إلى زهير بن التركي - وهو على همذان : ان مر بك أبو نصر فاحبسه ، فسبق الكتاب إلى زهير وأبو نصر بهمذان ، فأخذه فحبسه في القصر ، وكان